ابن تيمية
44
مجموعة الفتاوى
الْإِثْمُ وَالْبِرُّ فِي صُدُورِ الْخَلْقِ لَهُ تَرَدُّدٌ وَجَوَلَانٌ ؛ فَكَيْفَ حَالُ مَنْ اللَّهُ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَهُوَ فِي قَلْبِهِ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : الْإِثْمُ حواز الْقُلُوبِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ وَالصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ فَالْحَدِيثُ الصِّدْقُ تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ النَّفْسُ وَيَطْمَئِنُّ إلَيْهِ الْقَلْبُ . وَأَيْضاً فَإِنَّ اللَّهَ فَطَرَ عِبَادَهُ عَلَى الْحَقِّ ؛ فَإِذَا لَمْ تَسْتَحِلَّ الْفِطْرَةُ : شَاهَدَتْ الْأَشْيَاءَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ ؛ فَأَنْكَرَتْ مُنْكِرَهَا وَعَرَّفَتْ مَعْرُوفَهَا . قَالَ عُمَرُ : الْحَقُّ أَبْلَجُ لَا يَخْفَى عَلَى فَطِنٍ . فَإِذَا كَانَتْ الْفِطْرَةُ مُسْتَقِيمَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ مُنَوَّرَةً بِنُورِ الْقُرْآنِ . تَجَلَّتْ لَهَا الْأَشْيَاءُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْمَزَايَا وَانْتَفَتْ عَنْهَا ظُلُمَاتُ الْجَهَالَاتِ فَرَأَتْ الْأُمُورَ عِيَاناً مَعَ غَيْبِهَا عَنْ غَيْرِهَا . وَفِي السُّنَنِ وَالْمُسْنَدِ وَغَيْرِهِ عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً صِرَاطاً مُسْتَقِيماً ؛ وَعَلَى جَنَبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ ؛ وَفِي السُّورَيْنِ أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ ؛ وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ ؛ وَدَاعٍ يَدْعُو عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ . وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ ؛ وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الْإِسْلَامُ ؛ وَالسُّتُورُ الْمُرْخَاةُ حُدُودُ اللَّهِ ؛ وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ فَإِذَا أَرَادَ الْعَبْدُ أَنْ يَفْتَحَ بَاباً مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ نَادَاهُ الْمُنَادِي : يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَفْتَحْهُ ؛ فَإِنَّك إنْ فَتَحْته تَلِجْهُ . وَالدَّاعِي عَلَى رَأْسِ